|
العاملات الزراعيات: فقر وغياب للحماية القانونية |
كتب: عمران الرشق

تقف تحت أشعة الشمس الحارقة، محاولة بالكاد الحفاظ على توازنها، بينما تجرجر رجليها بين النباتات أو تنحني ببطء لتلتقط الثمار، في سهل زراعي بقرية برقين غرب مدينة جنين.
خيرية وهدان (72 عاما) من مخيم جنين، تقول بينما تمسح العرق المتصبب على جبينها، إن ضيق ذات الحال هو ما يدفعها للعمل في أراضي الآخرين، رغم ما تعانيه من شيخوخة وأمراض.
وهذه العجوز هي واحدة من ألاف الفلسطينيين الذي تضطرهم ظروفهم الاقتصادية الصعبة، إلى العمل في هذه المهنة التي لا تتطلب أي مستوى تعليمي او مهني، ولكنها قد لا تكون كافية لحمايتهم من غائلة الفقر.
فقراء في السهول
فمع قدوم كل موسم زراعي، تمتلئ سهول جنين المترامية الأطراف بعمال زراعيين جلهم من النساء والأطفال. وبالعادة يعمل هؤلاء العمال مقابل اجر عيني، يقدر بثلث ما يجمعونه من محصول، فيما يحصل صاحب العمل على الثلثين المتبقيين. 
وتوضح وهدان التي ترتدي ملابس رثة يعفرها التراب كباقي العمال الزراعيين، أنها لم تكن تعمل قبل اندلاع الانتفاضة الثانية أواخر عام 2000، لكن اضطرار ابنها إلى إغلاق ورشة الحدادة التي كانت العائلة تعتاش منها، دفعها، هي وهو، إلى هذا المكان بحثا عن لقمة العيش.
وكحال وهدان، تجمع صالحة بلال (70 عاما) حبات خيار في دلو ابيض، ثم تحمله بعد أن يمتلئ لتفرغه في كيس كبير، في عملية تتكرر من الساعة السابعة صباحا حتى ساعات المساء.
اجر ضئيل ومتذبذب
وتشتكي بلال التي يحفر الزمن والتعب أخاديد عميقة في وجهها، من أن ما يعود عليها من مردود مادي بالكاد يكفيها كفاف يومها.
ويقول العمال الزراعيون الذين يسكن العديد منهم في مواسم الحصاد بأكواخ من الخشب والصفيح، أن أجرهم غير ثابت، فبينما قد يصل في موسم الخيار إلى 60 شيكلا للعامل يوميا، كونه يصدر إلى المصانع الإسرائيلية، لا يتجاوز في مواسم أخرى كالكوسا والباذنجان، عشرين شيكلا للعامل في اليوم، لأنها تباع في الأسواق الفلسطينية.
الجدير ذكره أن قانون العمل الفلسطيني لا يضع حدا أدنى للأجور، بل يترك المسألة رهن الاتفاق بين العامل وصاحب العمل.
من جانبه، يوضح صاحب إحدى المزارع علي سهمودي، أن العمال الزراعيين ينحدرون من أكثر المناطق فقرا في المنطقة كمخيم جنين وقرية يعبد المجاورة، ويضيف:" يفضل أصحاب العمل النساء، خاصة كبيرات السن، كونهن أكثر انقيادا وتحملا لمشاق العمل، إضافة إلى قبولهن بالربح اليسير، بخلاف الشبان الذين يفضلون الأشغال الأقل تعبا والأعلى أجرا".
عمال ولكن
رشا عمارنه رئيسة وحدة الدائرة القانونية في وزارة العمل، تقول إن العمال الزراعيين يقعون ضمن الفئات التي ينطبق عليها قانون العمل:"لأنهم يؤدون عملا مقابل أجر لصالح صاحب عمل، ويكونون أثناء ذلك تحت إدارته وإشرافه"، لكنها تستدرك أن طبيعة العمل الزراعي الموسمية المتقطعة، تستثنيهم – قانونيا- مما توجبه لنظرائهم في المهن الأخرى من إجازات سنوية وثقافية ودينية ورسمية.
وتوضح أن ما ينطبق في حالتهم، هو قرار مجلس الوزراء رقم (48) لسنة 2004، الذي ينص على انه لا يجوز تشغيل العمال في هذا القطاع أكثر من 12 ساعة يوميا، على أن تتخللها فترة راحة لا تقل عن ساعتين، إضافة إلى يوم عطلة عن كل ستة أيام عمل متواصلة، وإجازة سنوية يوم عن كل شهر عمل.
لكن محمد بليدي رئيس نقابة المؤسسات العامة للعاملين في الصناعات الغذائية والزراعة يقول إن المسألة لا تتعلق بما يقره لهؤلاء العمال القانون من حقوق، بقدر حصولهم عليها، لجهلهم بها من ناحية، وتأخر القضايا العمالية في المحاكم المحلية لسنوات طويلة ، مما يجعلهم يعدلون عن اللجوء إليها من جهة أخرى.
غياب التفتيش
ويشتكي العمال الزراعيون من غياب جهة حكومية تتابع أمورهم.
وتقر بثينة سالم - مدير عام الإدارة العامة للتفتيش والسلامة الصحية المهنية في وزارة العمل- بالأمر قائلة:" السبب شح السيارات والمفتشين لدى الوزارة، إضافة إلى تبعثر المزارع ووقوع بعضها في أماكن نائية، مما يجعل الوصول إلى العمال الزراعيين غير متاح بالدرجة الكافية"، وتضيف:" هناك كذلك أولويات في عمل المفتشين، نحن نأخذ بعين الاعتبار الأعمال الخطرة، وهذا القطاع وان كان ذو أهمية غير انه لا يعتبر خطرا".
من جهته، يرفض بليدي العذر الذي تقدمه سالم، موضحا:" العمل الزراعي من أكثر أنواع العمل خطرا، بسبب استخدام الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية"، ويتابع:" غالبا ما تكون أثاره الجانبية بعيدة المدى، وبما أن القانون يمنح العامل تعويضا عن إصابة العمل إذا ما ظهرت عليه أعراض احد أمراض المهنة خلال سنتين فقط من تاريخ انتهاء خدمته، فإن العمال الزراعيين يجدون أنفسهم محرومين من هذا الحق".
ويضيف أن مشكلة العمال الزراعيين من كبار السن تكون أكثر تعقيدا، خاصة مع عدم وجود نظام ضمان اجتماعي فلسطيني، يقدم خدمات مادية وصحية لهم.
لكن العجوز وهدان تعتبر عملها "أفضل من أن نمد يدنا للناس" كما تقول، بينما تستمر بحني ظهرها بحثا عن ثمار تقطفها.
|